السيد نعمة الله الجزائري

71

الأنوار النعمانية

قال أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ * واللّه لما رأيت الحسين عثر بطرف ثوبه لم أملك نفسي حتى وقعت عليه . وأسباب الميل إلى الدنيا أكثر من أن تحصى ودواء الكل واحد وهو التّفكر في فنائها وسرعة زوالها وتقلّب أحوالها ، فمن عجائب تقلبها انّ رجلا من الخلفاء العباسيّة جعلوه خليفة يوما واحدا ، وقد عزلوه في اليوم الآخر وأخذوا ما عنده فاحتاج ذلك اليوم إلى أن يقف على باب المسجد ويتكفّف الناس ، وكان يقول لهم ارحموا من كان بالأمس أميركم واليوم سائلكم ، وكل ما نال فيها المؤمن من المراتب فهي سجنه بالنّظر إلى ما أعدّ له في الجنان ، فالميل إلى مثل هذا لا يكون عن رأى سديد ، روي انّه خرج الحسن عليه السّلام من داره في حلّة فاخرة وبزّة طاهرة ثم ركب بغلة فارهة غير قطوف وصار مكتنفا من حاشيته وحاشية بصفوف ، فعرض له في طريقه من محاويج اليهود رجل قد أنهكته العلة وارتكبته الذلة ، فاستوقف الحسن عليه السّلام وقال يا ابن رسول اللّه أنصفني ، فقال عليه السّلام في أي شيء ؟ فقال جدك يقول الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر وانا كافر فما أرى الدنيا الا جنّة تتنعم بها وتستلذ بها وما أراها الّا سجنا لي قد أهلكني ضرّها وأتلفني فقرها ، فلمّا سمع الحسن عليه السّلام كلامه أوضح لليهودي خطاء ظنه ، وقال يا شيخ لو نظرت إلى ما أعدّ لي وللمؤمنين في الدّار الآخرة ممّا لا عين رأت ولا أذن سمعت لعلمت اني قبل انتقالي اليه هذه الدنيا في سجن ضيق مع ما أنا فيه ، ولو نظرت إلى ما أعد اللّه لك ولكل كافر في الدار الآخرة من سعير نار الجحيم ونكال العذاب المقيم لرأيت أنّك قبل مصيرك اليه الآن في نعمة واسعة وجنّة جامعة ، ومأحسن قول الشاعر : يا خاطب الدنيا الدّنية انّها * شرك الرّدى وقرارة الأكدار دنيا إذا ما أضحكت في يومها * أبكت غذا تعسا لها من دار غاراتها لا تنقضي وأسيرها * لا يفتدى بعظائم الأخطار وقول الآخر : هي الدنيا تقول بملأ فيها * حذار حذار من بطشي وفتكي فلا يغرركم حسن ابتسامي * فقولي مضحك والفعل مبكي والدنيا اما مأخوذة من الدناءة وهي الخسة أو من الدنو وهو القرب لقربها بالنظر إلى الآخرة ، وهذا المعنى الثاني هو الذي حمل الناس على مساوىء الأعمال حيث زعموا انّها نقد والآخرة نسيئة وقدّموا النقد على النسيئة ولم ينظروا إلى قول الخبير أمير المؤمنين عليه السّلام لو